هبة الله بن علي الحسني العلوي

34

أمالي ابن الشجري

مسألة سئل عمّا تصدّر به كتب الإقرارات ، وهو : « أقرّ فلان وأشهد على نفسه » فقيل : أيّ الألفاظ الثلاثة أولى بالاستعمال ، أيقرّ ويشهد ، أم أقرّ وأشهد ، أم أقرّ ويشهد ؟ وهل يكون صادقا في قوله : أقرّ وأشهد على نفسه ، وهو لم يشهد ؟ فكان الجواب : إن الإقرار والإشهاد يقعان معا في وقت واحد ، لأنه إذا تلفّظ بالإقرار بمحضر من الشاهد ، فقد حصل الإشهاد بحصول الإقرار ، من غير فصل ، ومن قبل أن يثبت الشاهد خطّه ، وإنما كتب الشّروطىّ : أقرّ ، لأنه حينئذ أقرّ بقلبه ونيّته ، فإذا أقرّ عند الشاهد [ بلسانه « 1 » ] فقد وقع الإشهاد مع / الإقرار ، وإقراره بلسانه أن يقول له الشاهد : أهكذا تقول ؟ فيقول : نعم ، وإنما آثروا : أقرّ وأشهد ، دون يقرّ ويشهد ، لأن لفظ الماضي أوكد وأبعد « 2 » من الشّبهة ، من حيث كان دالّا على إقرار قد وقع ، فوقع الإشهاد بوقوعه ، والمستقبل يدلّ على إقرار متوقّع ، على أن العرب قد أوقعت بعض أمثلة الأفعال موقع بعض ، مع حصول العلم بما يقصدونه ، فأوقعوا الماضي في موضع المستقبل ، والمستقبل في موضع الماضي ، فمن إيقاع المستقبل في موضع الماضي ، قوله تعالى : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ « 3 » أوقع « تقتلون » في موضع « قتلتم » ومثله : ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ « 4 » المعنى : كما عبد آباؤهم ، ومن إيقاع الماضي في موضع المستقبل قوله تعالى : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ « 5 » أراد : ينادى ، لأن هذا النداء إنما يكون يوم القيامة ، ومثله : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي

--> ( 1 ) سقط من ه . ( 2 ) في ه : أوكد بعد الشبهة . ( 3 ) سورة البقرة 91 . ( 4 ) سورة هود 109 . ( 5 ) سورة الأعراف 50 .